سيد محمد طنطاوي
116
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى * ( ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ) * عطف على المضمر الذي تعلق به قوله تعالى * ( بِآيَةٍ ) * أي قد جئتكم محتجا أو ملتبسا بآية من ربكم ، ومصدقا لما بين يدي . . وجوز أن يكون منصوبا بفعل دل عليه « قد جئتكم » . . أي وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ، ومعنى تصديقه - عليه السّلام - للتوراة الإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب ، وأن كتابه يدعو إلى الإيمان بها . والمعنى : أن عيسى - عليه السّلام - قال لبنى إسرائيل : إن اللَّه - تعالى - قد أرسلني إليكم لهدايتكم وقد جئتكم بالمعجزات التي تثبت صدقي . وجئتكم مصدقا لما بين يدي من التوراة . أي مقررا لها ومؤمنا بها . ومعنى ما بين يدي ما تقدم قبلي : لأن المتقدم السابق يمشى بين يدي الجائى فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان بين عيسى - عليه السّلام - وبين نزول التوراة أزمنة طويلة لأنها لما اتصل العمل بها إلى مجيئه فكأنها لم تسبقه بزمن طويل ويستعمل بين يدي كذا في معنى الحاضر المشاهد كما في قوله - تعالى - يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ . وقوله * ( ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) * معمول لمقدر بعد الواو ، أي : وجئتكم لأحل لكم بعض الأشياء التي كانت محرمة عليكم في شريعة موسى - عليه السّلام - فهو من عطف الجملة على الجملة . أي أن شريعة عيسى جاءت متممة لشريعة موسى وناسخة لبعض أحكامها ، فلقد حرم اللَّه - تعالى - على بني إسرائيل بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم كما جاء في قوله - تعالى - فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ فجاءت شريعة عيسى - عليه السلام - لتحل لهم بعض ما حرمه اللَّه عليهم بسبب ظلمهم وفجورهم . قال ابن كثير : فيه دلالة على أن عيسى - عليه السلام - نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين . ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئا ، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا فكشف لهم عن خطئهم كما قال في الآية ولأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيه « 1 » . قالوا . ومن الأطعمة التي أحلها عيسى لبنى إسرائيل بعد أن كانت محرمة عليهم في شريعة موسى : لحوم الإبل والشحوم وبعض الأسماك والطيور « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 365 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 171 .